الشيخ محمد الصادقي
280
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فلا أقرب إلى الإنسان من خالقه ، قرب القيومية العلمية وفي القدرة ، مهما بعدت ذاته عن ذاته وصفاته عن صفاته - إذ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فهو - إذا - قريب إلينا في بعده ، وبعيد في قربه ، داخل في الأشياء لا بالممازجة ، كدخول شيّ في شيء ، وخارج عن الأشياء لا بمزايلة ومجانبة ، كخروج شيّ عن شيء ، بل هو داخل علما وقدرة ، خارج ذاتا وصفات ، باين الأشياء بينونة ذات وصفة ، لا بينونة عزلة ! ف نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ : إلى روحه وجسمه ، إلى عقله ونفسه ، إلى وسواسه وهواجسه بأسبابها ، واليه كله مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ : وريد الحياة ، ولكونه أقرب ف اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ( 8 : 24 ) فهو أقرب اليه من قلبه ، وهو يعلم منه أخفاه ، ولا يعلم الإنسان إلا سره لا أخفاه : فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 20 : 7 ) فالسر ما يكنه من خابية ، وأخفى منه ما لم يكنه بعد ، ما سوف يكنه ولا يعلم قبل ! . إن الوسوسة : الخطرة الرديئة - وأصلها صوت الحلي والهمس الخفي - هي أخفى صنوف العلم : الخطرة النفسانية الخفية ، ومنها الوسوسة في المعاد ، فاللّه الخالق يعلم نشأة الوسواس كلها ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فالنفس توسوس نفسها وتوسوس العقل بأسباب وآلات ، قد تجهل هي تلكم الأسباب ، ولكن اللّه يعلمها بمواليدها ، فلم يقل ( ويعلم وسوساتها ) وإنما ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ إيحاء بعلمه بكلا السبب والمسبب ، فان الباء هنا للآلة أو السبب : ما توسوس بسبب نفسه . ولقد وسوست أنفس هؤلاء الناكرين عقولهم المعقولة بالهوى ، وقلوبهم المقلوبة عن الهدى ، وسوست في أمر المعاد أم ماذا ؟ وترى بماذا ؟ بالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ، فما لم يكن قبول من النفس ، لم تحصل وسوسة ، أو لم تؤثر اثرها ، فالشيطنات بأنواعها هي آلات يتذرعها النفس لحصول الوسوسات ومفعولاتها ، واللّه يعلمها بأسبابها : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » ! ان هناك في جسم الإنسان حبالا شتى تنقل الدم إلى شتى أجزاءه وأعضاءه